ابن تيمية

41

مجموعة الفتاوى

التَّصْدِيقِ نَاقِصاً قَاصِراً : انْقَسَمَ الْأُمَّةُ إلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ : - فَالْجَامِعُونَ حَقَّقُوا كِلَا مَعْنَيَيْهِ مِن القَوْلِ التصديقي وَالْعَمَلِ الْإِرَادِيِّ . وَفَرِيقَانِ فَقَدُوا أَحَدَ الْمَعْنَيَيْنِ : فالكلاميون : غَالِبُ نَظَرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ فِي الثُّبُوتِ وَالِانْتِفَاءِ وَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَالْقَضَايَا التصديقية ؛ فَغَايَتُهُمْ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ وَالْعِلْمِ وَالْخَبَرِ . وَالصُّوفِيُّونَ : غَالِبُ طَلَبِهِمْ وَعَمَلِهِمْ فِي الْمَحَبَّةِ وَالْبِغْضَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْحَرَكَاتِ الْعَمَلِيَّةِ ؛ فَغَايَتُهُمْ الْمَحَبَّةُ وَالِانْقِيَادُ وَالْعَمَلُ وَالْإِرَادَةُ . وَأَمَّا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ : فَجَامِعُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ؛ بَيْنَ التَّصْدِيقِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِ الحبي . ثُمَّ إنَّ تَصْدِيقَهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَعَمَلَهُمْ وَحُبَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ فَسَلِمُوا مَنْ آفَتَيْ مُنْحَرِفَةِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ وَحَصَّلُوا مَا فَاتَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِن النَّقْصِ ؛ فَإِنَّ كُلّاً مِن المُنْحَرِفِينَ لَهُ مَفْسَدَتَانِ : إحْدَاهُمَا : الْقَوْلُ بِلَا عِلْمٍ - إنْ كَانَ مُتَكَلِّماً - وَالْعَمَلُ بِلَا عِلْمٍ - إنْ كَانَ مُتَصَوِّفاً - وَهُوَ مَا وَقَعَ مِن البِدَعِ الْكَلَامِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَالثَّانِي : فَوَّتَ الْمُتَكَلِّمُ الْعَمَلَ وَفَوَّتَ الْمُتَصَوِّفُ الْقَوْلَ وَالْكَلَامَ . وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ : كَانَ كَلَامُهُمْ وَعَمَلُهُمْ بَاطِناً وَظَاهِراً بِعِلْمِ وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِهِمْ وَعَمَلِهِمْ مَقْرُوناً بِالْآخَرِ . وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُسْلِمُونَ حَقّاً